البخيتي : الانفصال بين الشمال والجنوب كمدخل لحل الأزمة في اليمن
الأحد 19 مارس - آذار 2017 الساعة 05 مساءً / الفجر الجديد- متابعات
عدد القراءات (7331)

بدأ اليأس يدب الى مساعي السلام في اليمن، بسبب تعقيد الملف وتداخله، فنحن أمام مشكلات تراكمت منذ العام 1990م، متعلقة بالوحدة بين الشمال والجنوب، إضافة الى مشكلات ومشاريع سابقة على هذا التاريخ -إمامة في الشمال وفي الجنوب صراع طغمة وزمرة 86م ودويلات جنوب ما قبل 67م- برزت للسطح مجدداً في الشمال والجنوب مدفوعة بحالة الفوضى، ويراد للتسوية السياسية المفترضة أن تعالج كل تلك المشكلات التي تراكمت لعقود، وذلك ضرب من الجنون، والإصرار عليه يعني ضياع اليمن ودخوله مرحلة الفوضى الشاملة.
المسار السياسي الذي تقوده الأمم المتحدة عبر مبعوثها الخاص لليمن إسماعيل ولد الشيخ يمضي بشكل إيجابي على المستوى النظري وإن كان بطيء، لكنه حلم صعب التحقيق، لأن الواقع على الأرض يمضي باتجاه آخر تماماً، في تكرار للمشهد الذي حصل أثناء مؤتمر الحوار الوطني بصنعاء في 2013م، حيث كان المؤتمرون في الحوار -وأنا أحدهم- يرسمون لنا المدينة الفاضلة، بينما المجموعات المسلحة التابعة لمختلف الأطراف ترسم واقع معاكس آخر تماماً على الأرض، وما إن شارف الحوار على الانتهاء حتى انفجرت الحرب في عدة جبهات، وانتهت بدخول الحوثيين صنعاء، وانقلابهم على السلطة، ومن ثم هروب هادي وتدخل التحالف العربي، وكل ذلك أوصل البلد الآن الى واقع انفصالي على الحدود الشطرية لعام 90م، نفس المشهد يتكرر اليوم، ولد الشيخ وسفراء الرباعية يرسمون لنا على الورق مدينة فاضلة، لكن الواقع على الأرض مختلف تماماً، ويمضي باتجاه الانفجار الكبير، الذي قد يخلق عدة دول في الشمال وعدة دول في الجنوب في أحسن الأحوال، وفي أسوأها ستتحول اليمن الى دولة فاشلة تسيطر على مناطقها ومدنها عشرات المجموعات المسلحة المتناحرة، إضافة الى انتشار المجموعات الإرهابية التي توظف كل تلك الفوضى وتعمل على توسيع حاضنتها الشعبية.
لا يمكن لولد الشيخ ولا لمسار التسوية السياسية حل كل المشكلات اليمنية المتداخلة والمتراكمة منذ عقود، ولن يُجدي نفعاً التوصل الى تسوية سياسية نظرية على الورق لا تقبل بها القوى التي تسيطر على الأرض، ستتحول تلك التسوية الى وثيقة حوار جديدة توضع على الرف كما وضعت وثيقة الحوار الوطني، ودستور هادي، وقرار تقسيم اليمن الى ستة أقاليم، وإعلان الحوثيين الدستوري، كل تلك الوثائق انتهت الى سلة المهملات، لأنها لم تتعامل بواقعية مع ما يحدث على الأرض، أو تم فرضها من قبل أحد الأطراف وسعى لتمريرها دون توافق.
إذا أردنا حل الأزمة اليمنية فليس من المنطقي العمل على تسوية شاملة كاملة لكل تلك المشكلات المتراكمة والمتداخلة، بل علينا تفكيك عناصر المشكلة، والعمل على حل كل عقدة لوحدها، ومن ثم النظر في إمكانية إيجاد تسوية شاملة بعد أن تستقر الأوضاع في كل منطقة على حدة، وتتضح الجهات التي تمثلها، والتي لديها القدرة على تسويق وفرض أي تسوية شاملة تتبناها وتوقع عليها.
لنفترض جدلاً أن ولد الشيخ تمكن من التوصل الى تسوية سياسية شاملة كما تقول أجندات الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن، ولنفترض أن الرئيس المعترف بشرعيته عبدربه منصور هادي وافق على خارطة ولد الشيخ ومضى في التسوية مع الحوثيين وصالح والإخوان المسلمين (حزب الإصلاح) وبقية الأحزاب ووقعها، هل سيتمكن هادي من فرض التسوية في الجنوب اليمني؟؟، اذا كان هادي عاجزاً عن العودة الى قرية (الوضيع) مسقط رأسه، واذا كان عاجزاً عن الخروج من قصر معاشيق، وعن السيطرة على مطار عدن، وعن تغيير عاقل حارة أو إمام جامع أو رجل أمن في المطار مدعوم من مجموعة مسلحة في عدن، كيف سيتمكن من فرض حل سياسي على مساحة الجنوب التي تتجاوز 300 ألف كم2؟!!، هل سيستدعي هادي ما يسمى بالجيش الوطني (جيش علي محسن والمقدشي والإخوان وآل الأحمر) في مأرب للدخول مجدداً الى المحافظات الجنوبية لفرض التسوية؟، هل سنعيد تكرار سيناريو حرب 94م؟.
علينا أن نُدرك أن الخارطة السياسية ونفوذ مراكز القوى تغير في الجنوب، وحتى في الشمال، وهناك قوى جديدة برزت على السطح، وقوى توارت، وقوى تغير وزنها، وهناك مزاج شعبي جديد تجاه الكثير من القضايا التي كانت تمثل ثوابت وطنية، وتفاصيل كثيرة لا مجال للحديث المفصل عنها الآن، لكن ما يهم هو أن ننظر قليلاً للأرض قبل الحديث عن تسويات على الورق.
نعرف جميعاً أن هناك مزاج شعبوي عصبوي سائد في الجنوب اليوم مختلف تماماً عما كان سائد قبل عام 90م، واضطرت القوى السياسية لمغازلة ذلك المزاج المتطرف والمزايدة عبر تبني شعاراته، وأصبحت تلك القوى السياسية الجنوبية، قديمها وحديثها، عاجزة عن صنع وعي لدى الجماهير بما هو الممكن والمتاح، وأين تكمن مصلحة الجنوب اليمني بشكل عام، وتصاعد هذا المزاج الشعبوي المتطرف وخلق واقع جديد في الجنوب معادي للشمال والشماليين، ومعادي حتى لمُسمى اليمن، ثم تطرف هذا المزاج أكثر وبدأ في التعاطي بنَفَس عصبوي كذلك مع قضايا جنوبية داخلية، وانتشر داء المناطقية الى الدرجة التي تم تأسيس وحدات عسكرية وأمنية في الجنوب على أسس مناطقية جنوبية ولأول مرة منذ استقلال الجنوب، وبدأت مواجهات عسكرية داخل عدن نفسها بين مجموعات تتبع فصائل مختلفة، وعندما أقول مزاج شعبوي أنا أعني الكلمة، أي أنه ليس مزاجاً شعبياً عاماً -رأي عام- ناتج عن وعي سياسي، ولا يعبر عن الغالبية من أبناء جنوب اليمن، التي لا تزال صامته ترقب الأحداث، وسيأتي اليوم الذي تتحدث فيه بعد أن تختبر كل الأطراف وكل الخيارات.
هناك بالمقابل رأي نخبوي بدأ في التبلور في الشمال، يميل لخيار الانفصال بين الشمال والجنوب، ولم يتجرأ أصحاب هذا الرأي على طرح أفكارهم للمواطنين في الشمال، الذين لا يزال الرأي العام الغالب عندهم متمسك بالوحدة ومحب لها، ومستعد لتقديم تنازلات كثيرة من أجلها، لكن هذا الوعي العام الوحدوي في الشمالي مفصول عن الواقع على الأرض في الجنوب، والذي لا يمكن القفز عليه الا بشلال جديد من الدماء.
النخبة السياسية الشمالية عاجزة عن البوح لجماهيرها بالحقيقة، ومربكة، وتائهة بين الأحلام والواقع الجديد، نخبة أصبحت خاملة في فنادق السعودية وغيرها من دول العالم، أو نخبة مجنونة في صنعاء لا تزال تراهن على الحل العسكري لفرض خياراتها، ولا تزال تتحدث عن الوحدة بنفس صيغة 94م، الوحدة أو الموت، وغيرها من الشعارات الجوفاء، وكأن الوحدة جنة الله الموعودة، ونخبة أخرى في صنعاء كذلك لكن لديها مشروع طائفي تسعى لفرضة مستغلة لكل تلك الأحداث والمتغيرات، والشعب اليمني في الشمال تائه بين تلك النُخب، كما الشعب في الجنوب تائه بين مشاريع المجموعات المسلحة المناطقية التي تتحكم به والمشاريع الإقليمية التي تتجاذبه وآفة الإرهاب التي تنخره كما تنخر مناطق شمالية كذلك.
هناك أسئلة عجز الدبلوماسيين والسفراء والمحليين الأجانب عن الإجابة عنها، وكلها مرتبطة بسؤال أساسي وهو: لماذا هناك صعوبة في التوصل الى حل للأزمة اليمنية مع أن أغلب الأسس متفق عليها في مؤتمر الحوار، ولا يختلف أحد على الخطوط العريضة لبناء الدولة الجديدة؟، ولا على مرجعية قرارات مجلس الأمن بعد موافقة الحوثيين وصالح عليها في الخطاب الذي وقعوه وأرسلوه لكيري في سلطنة عُمان، ولماذا كلما شعروا بقرب الحل وجدوا أن الحل تبخر وأصبح بعيد المنال؟، وأسئلة أخرى متعلقة بالميدان من مثل: لماذا هناك خمول في الجبهات التي تقاتل الحوثيين في الشمال؟، ولماذا هناك صمت من القوى والأحزاب والمشايخ الموالين للتحالف ولشرعية هادي تجاه تلك الجبهات؟، ولماذا لا يعودون الى الداخل لقيادة والاشراف على المعارك من المناطق التي لا تخضع لسلطة الحوثيين كمأرب؟، وكيف يقاتل الجنوبي في الشمال وهو رافع لعلم التشطير لا علم الوحدة مع أنه يزعم أنه تحت شرعية هادي؟، وكيف يستحوذ الجنوبيون على أكثر من 75% من المناصب والتعيينات في شرعية هادي وأكثر من 90% من التعيينات في السلك الدبلوماسي مثلاُ ومع ذلك لا يزال المزاج الشعبوي الأقوى في الجنوب يطالب بالانفصال؟!، كل ذلك أصاب المتابع الأجنبي بالذهول واستعصى عليه فهم المشهد اليمني.
ثانياً/ حقائق على الأرض يجب أن يعرفها الجميع:
وللإجابة على تلك الأسئلة يجب فهم بعض الحقائق، وبعد استيعابها سيتضح شكل التسوية السياسية الممكنة، ومن الحقائق التي على الجميع ادراكها:
- الحقيقة الأولى: الخلاف في اليمن له بعد شخصي بين شخصيات نافذة تسيطر على أحزاب ومكونات قوية، وتجر أحزابها لمعاركها الخاصة، إضافة لشخصيات تمثل قوى طفيلية لا وجود لها على الأرض لكن لها شرعية دولية، إضافة لشخصيات تدعي حقها في الولاية (الحكم) بناء على مشاريع طائفية مذهبية عفى عليها الزمن، وبالتالي الخلاف والصراع شخصي أكثر منه خلاف حول مشاريع وبرامج وطنية، ومن هنا تتقارب الحلول وتتباعد بحسب أوضاع وأمزجة والدور المستقلبي لتلك الشخصيات ومشاريعهم الخاصة، لا بحسب رؤية الأحزاب ومشاريعها الوطنية النظرية، فالأمزجة والمشاريع الشخصية وحتى الفئوية سريعة التغير بعكس الرؤى والمشاريع الحزبية ذات التوجه الوطني -على المستوى النظري على الأقل-.
- الحقيقة الثانية: الرئيس المعترف بشرعيته (عبد ربه منصور هادي) -مع كل تقديرنا واحترامنا له كرئيس لليمن يعترف به العالم- يمثل قوة طفيلية لا تأثير لها على الواقع، ولا تسيطر على منطقة، ولا يتمكن حتى من العودة الى مسقط رأسه في قرية الوضيع بمحافظة أبين، تلك القوة تعيش في ظل الخلافات، وتستغل التناقضات والصراعات والحروب وتعمل على تأجيجها، وتدرك أنها ستموت وتتلاشى مع أي تسوية سياسية حقيقة وعادلة بين القوى الفاعلة، لذا لن تسمح بأي توافق أو تسوية سياسية، وان حدثت ستعمل على افشالها، تلك القوة الطفيلية تستحوذ على 75% من المناصب والتعيينات في ما يعرف بالحكومة والسلطة المعترف بشرعيتها، واستحوذت -مثلاً- على حوالي 90% من التعيينات الأخيرة في السلك الدبلوماسي، سفراء وملحقين، وتسعى تلك القوة الطفيلية للاستحواذ على نصيب الأسد في التسوية القادمة باعتبارها تمثل الجنوب، وباعتبارها تمثل دولة الوحدة كذلك، وهذا ما يعرقل التسوية السياسية، لان الأحزاب والقوى الحقيقية والفاعلة على الأرض تشعر أنها ستهضم لصالح قوة لا وجود حقيقي لها، ولا أرض تنطلق منها، لذلك تتهرب من التسوية وتسعى بطريقة أو بأخرى لعرقلتها عندما تعرف مقدار الحصة المعروضة عليها.
إضافة الى أن مراكز النفوذ والأحزاب والمكونات الشمالية المؤيدة لشرعية هادي باتت تسأل نفسها: لماذا نعطي هادي كل تلك الحصة وهو غير قادر على فرض خيارات الشرعية ولا رفع أعلامها حتى في عدن على بعد 2 كم من مقر اقامته في قصر معاشيق؟، ولا يستطيع اعادتنا من فنادق الرياض للعيش في عدن والانطلاق منها لمواجهة الحوثيين سياسياً واعلامياً وعسكرياً، واذا كنا نسمح لهادي ومن معه بالاستحواذ على كل تلك الحصة فلهدف واضح، وهو استرضاء نخب جنوبية بعد اقصاء مورس على كثير منهم منذ عشرين عام، لكن هادي يأخذ تلك الحصة له ولزمرته الجنوبية الخاصة -التي لم يطالها الإقصاء منذ 94م لأنها كانت شريكة في دخول عدن وفي نظام ما بعد حرب 94م- ولا يوزعها على النخب الجنوبية التي تم اقصائها بالفعل ولا يسترضيها، ومن أخذ منهم منصب كعيدروس الزبيدي وشلال شايع وهاني بن بريك أخذه بقوته الميدانية وبضغط اماراتي لاعتبارات أخرى لا علاقة لها بالشرعية وبدولة الوحدة، ولكي يقال أن تلك المناطق تتبع الشرعية، ولا تتبع مشاريع أخرى، بينما الوقع عكس ذلك تماماً، حيث يرفع بن بريك وعيدروس وشلال اعلام ما قبل الوحدة ولا يعترفون بدولة الوحدة التي تم تعيينهم من رئيسها، وهنا تكمن المهزلة التي أنتجتها تلك القوة الطفيلية.
ولذلك فالرأي والمزاج السائد بين النخبة الجنوبية الجديدة -والقديمة كذلك عدى من هم مع هادي- يقول للشماليين: لو تعطوا لهادي 100% من المناصب فذلك لا يعنينا ولا يسترضينا، هادي منكم يا شماليين، ودخل عدن في 94م فاتحاً على دبابة مثلكم، استرضوه بما شئتم فلن نعترف به ولا بشرعيته، فقط سنستفيد من شرعيته -حتى يتهيأ المزاج الدولي والإقليمي للاعتراف بنا- لكننا لن نُمكنها من الأرض، بل سنفرض خياراتنا ومشاريعنا، ولن نسمح له بالعودة حتى الى قريته، وعليكم الاعتراف بنا نحن الذين نسيطر على الأرض لا بقوة طفيلية تصنعونها في الجنوب بهدف استرضائنا، لأنكم تضحكون على أنفسكم وتخسرون أعمالكم ووظائفكم وتمنحونها لقوة طفيلية لن تعيد لكم شيء في الجنوب، الذي بات اليوم عملياً لا يعترف بشرعية سلطة هادي ولا بالجمهورية اليمنية، ولا يعتبر مشاركة هادي في السلطة مشاركة للجنوب ولقواه الفاعلة.
القوى ومراكز النفوذ الشمالية تسأل نفسها كذلك: اذا كان هادي عجز عن حماية تجار ومواطنين بل وحتى عمال شماليين وأصحاب مطاعم وبوافي عصير لا حول لهم ولا قوة، هُجر الكثير منهم على أسس عنصرية في عدن ومناطق جنوبية أخرى -وأكد ذلك تقرير لجنة العقوبات المشكلة من مجلس الأمن والتي تستهدف معرقلي التسوية السياسية- كيف سيتمكن من حماية الدولة اليمنية ومصالحنا واستثماراتنا في الجنوب وحقوقنا كمواطنين يمنين يحق لهم العيش والعمل والتعيين في المناصب الحكومية والاستثمار في كل المناطق بما فيها المحافظات الجنوبية؟.
القوى الشمالية كذلك تسأل نفسها: اذا وقع هادي التسوية وقدمنا له ما يريد من تنازلات كم هي المساحة في الجنوب التي سيتمكن من فرض التسوية فيها؟، اذا كان سيفرضها على 1 كم مربع هي مساحة قصر معاشيق ومحيطه فذلك لا فائدة منه، ولا يتناسب مع ما قدمناه له، والأفضل أن نُنجز تسوية مع عيدروس الزبيدي وشلال شايع وهاني بن بريك وغيرهم من القوى التي تسيطر على الأرض.
- الحقيقة الثالثة: الوحدة اليمنية انتهت يوم 7/ 7/ 1994م، وما بعد ذلك اليوم، عندما تم إقصاء الشريك الجنوبي القوي والفاعل في حينه، والاستعاضة عنه بقوة طفيلية يقودها هادي وبعض الزمرة التي كانت تقيم أصلاً في الشمال بعد أحداث يناير 86م باعتبارها تمثل الجنوب، ولأكثر من عشرين عاماً والنخبة السياسية الشمالية تضحك على نفسها، الى أن صدمها الواقع الذي فرضته القوى الجنوبية الجديدة -القديمة بعد أن غيرت شعاراتها- على الأرض خلال العام الماضي بعد دحر الحوثيين والجيش والأمن الذي كان يمثل دولة الوحدة وتقوده شرعية هادي الطفيلية المصنوعة في الشمال.
- الحقيقة الرابعة: أن هناك واقع انفصالي اليوم، أفرز يمن شمالي ويمن جنوبي على الأرض، وهذا الواقع الانفصالي أشد مرارة من واقع الانفصال ما قبل عام 90م، فعلى الأقل قبل عام 90م كان المواطن الشمالي يتمتع بحرية التنقل والعمل والاستثمار في المحافظات الجنوبية مثله مثل أبنائها، ويتمتع بحق المواطنة وكامل الحقوق السياسية مع أن الجنوب كان دولة مستقلة، فقد كان أحد رؤساء الجنوب ذو أصول شمالية، وكان كثير من النخبة التي تقود الجنوب من أصول شمالية، ولم يكن يجد الجنوبيون الوحدويون غضاضة في ذلك وبالأخص الذين تربوا على ثقافة الجبهة القومية والحزب الاشتراكي اليمني، أما اليوم فالمواطن الشمالي البسيط يتعرض لشتى أنواع المضايقات، ورُحل الكثير منهم، ويتم التعامل مع من بقي كطابور خامس محتمل.
- الحقيقة الخامسة: أن سيطرة جماعة طائفية سلالية كهنوتية -جماعة الحوثيين- على السلطة في صنعاء وسعيها لفرض ارادتها على اليمن واليمنيين كانت الشعرة التي قصمت ظهر بعير الوحدة بين الشمال والجنوب، وقد تقصم ظهر بعير الشمال نفسه، وتهدده بالانقسام الى دويلات والى مزيد من التفكك داخل النسيج الاجتماعي اليمني اذا ما أصرت على استمرار حكمها وفرض مشروعها الطائفي، فسيطرتها على صنعاء يعزز من النزعة المناطقية والمذهبية حتى في الشمال، في تعز والحديدة وإب والبيضاء ومأرب، وتتشكل الآن صورة طائفية موازية لصورة الحوثيين في تلك المحافظات، ولا يمكن استعادة الهوية الوطنية الجامعة، وتبنيها من جديد كخيار أول لليمنيين ما لم نُسقط سلطة الكهنوت في صنعاء، وعندها فقط ستتداعى كل المشاريع والنزعات المناطقية والمذهبية التي باتت تأسر تلك المحافظات الشمالية.
- الحقيقة السادسة: أن الرئيس السابق صالح - وشركائه في الحكم (الإخوان المسلمين/ حزب الإصلاح)- يتحمل جزء كبير مما وصلت اليه الأوضاع، فاستئثاره بالحكم وافراغه للديمقراطية من محتواها، وتحويلها الى وسيلة لتمديد تلو التمديد لنفسه، ومن ثم تبنيه لمشروع توريث نجله أحمد، والذي كان سبباً رئيسياً في الأزمة السياسية، وتفكك الجيش، ومن ثم سقوط الدولة اليمنية. لكن الرئيس السابق رقم صعب ويقود حزب قوي وفاعل على الأرض، وله تحالفات قبلية هائلة، ولا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال في أي تسوية كشريك في السلطة عبر حزب المؤتمر لا كحاكم أو مُشارك في الحكم بشخصه من جديد.
- الحقيقة السابعة: أن هناك خطاب تحريضي طائفي وسلالي وجه للهاشمين بشكل عام، ولأتباع المذهب الزيدي ساهم في تقوية الحوثيين، ومنحهم حاضنة شعبية قوية باعتبارهم القادرين على حماية تلك المكونات الاجتماعية، وهذا الخطاب تبنته قوى مذهبية كالسلفيين والإخوان المسلمين بالتعاون مع صالح أثناء تحالفهم معه ضد الحوثيين في حروب صعدة، وما زال ذلك الخطاب مستمر الى اليوم من بعض ذلك التحالف.
- الحقيقة الثامنة: الصراع في اليمن يمني يمني بالأساس، ثم تحول في جزء منه الى صراع إقليمي، متأثراً بأجواء الصراع والحروب الدائرة في المنطقة، ومع ذلك ليس مرتبط تماماً بالصراع الإقليمي، كارتباط الملف العرقي والسوري مثلاً، بمعنى أنه يمكن انجاز تسوية سياسية في اليمن إذا ما قررت الأطراف اليمنية ذلك وفي أي وقت.
- الحقيقة التاسعة: أن الشماليين اليوم من يجب أن يُطالب بحق تقرير المصير من دولة وحدوية متوهمة في مخيلتهم فقط، فمن الخطأ الاعتماد على قوة طفيلية يتزعمها هادي تستحوذ على أغلب المناصب الحكومية والتعيينات وأموال الشرعية فيما هي عاجزة عن اثبات واقع وحدوي على الأرض في الجنوب يحمي حتى مواطني الشمال العاديين فكيف بالسياسيين، فإما أن تكون هناك تسوية مع من يملك التحكم في الشارع ويمسك بالأرض في الجنوب وإما فالانفصال هو الحل من وحدة أشبه بالسراب.
- الحقيقة العاشرة: أن هناك واقع انفصالي -داخل الشمال هذه المرة- بدأ يترسخ في مأرب ومناطق شمالية أخرى، متأثراً بأقاليم هادي التفكيكية الستة، ومدفوعاً بواقع الهروب من سلطة الكهنوت الحوثية التي تحكم صنعاء، وكأنها ستستمر للأبد، وهذا الواقع يجب أن يسقط عبر اسقاط سلطة الحوثيين في صنعاء، اما بتسوية سياسية أو بحسم عسكري، لكن قبل ذلك يجب أن يكون مشروع البديل جاهزاً، وتصوره لما بعد سقوط سلطة الحوثيين حاضراً ويتعامل مع أسوأ الإحتمالات.
- الحقيقة 11: أن موضوع الأقلمة لم يطرح الا بهدف معالجة القضية الجنوبية، لذا كان يتم بحثه في فريق القضية الجنوبية في مؤتمر الحوار وليس في فريق بناء الدولة، لكن القوة الطفيلية الهادوية عومت ذلك المطلب ونقلته الى داخل الجنوب وداخل الشمال، وسعت الى انشاء أقاليم داخل الجنوب وداخل الشمال، لخلق بؤر فتنة وصراع لكي تُبقى من خلاله على وجود لها، لعلم تلك القوة أن لا قبول لها في الإقليم الجنوبي أو الشمالي لو تم تقسيم اليمن على أساس اقليمين فقط، فصيغة الاقليمين التي طرحها الحزب الاشتراكي اليمني كانت الأنسب بعد مؤتمر الحوار (أما الآن فقد تغير الواقع وتجاوز ذلك الخيار)، الا أن القوة الطفيلية بالتعاون مع بعض السفارات والخبراء الأجانب الغير مدركين للواقع في اليمن والذين تنحصر اهتماماتهم في حقول النفط وكيفية تحاصصها بين شركاتهم عمدت الى خلط الأوراق وتفخيخ البلد بمشروع الستة أقاليم.
- الحقيقة 12: أن الأصلح لليمن كدولة واحدة، أو كدولة في الشمال ودولة في الجنوب هو نظام حكم محلي واسع الصلاحيات لكل محافظة، بحيث تدير نفسها وجزء من ثرواتها، لأن تقسيم الشمال الى أربعة أقاليم مثلاً يعني خلق أربع هويات داخل الشمال -وبالأخص في هذه الأوقات التي لا دولة فيها تنظم عملية انتقال يمكن التحكم فيها بشكل سلس ومدروس- ومن ثم التصارع داخل وبين الأقاليم وصولاً الى تشكل أربع دويلات متناحرة غير مستقرة، فخلق أربعة أقاليم ليس بالأمر السهل ولا تتوفر له الإمكانات، فكل إقليم بحاجة الى حكومة ووزراء ومجلس نواب وقوانين خاصة ووو... الخ، ونفس الإشكالية في الجنوب، فاحتمال الصراع بين الأقاليم فيه على الثروة والحدود وارد جداً، وبالأخص أن هناك إقليم غني وإقليم فقير لا يملك ثروة، وكل منطقة ومحافظة لها تطلعاتها الخاصة.
- الحقيقة 13: القوى السياسية الشمالية تسعى لتوتير الأوضاع في الجنوب وتفكيك القوى السياسية فيه حتى لا تقوم له قائمة ويبقى رهينة لسلطة الشمال وتابع لها، والقوة الطفيلية التي يقودها هادي تؤدي نفس الدور كذلك في الجنوب لتبقى هي القوة التي تمثله في السلطة، كما أن تلك القوة الطفيلية تعمل على احداث صدام وفرقة وصراع وحرب بين مراكز القوة الشمالية لتبقى في الحكم، لإدراكها أن أي تسوية بين قوى الشمال يعني خروجها من السلطة، وأي تسوية بين قوى الجنوب الحقيقية سيؤدي لحرمانها من تمثيل الجنوب، وهذا هو سبب فشل التسوية السياسية، في الشمال، وفي الجنوب، وبالتالي في اليمن ككل، ولذلك لا مناص من بحث موضوع الشمال دون تدخل من أي قوة أو شخصية جنوبية، وبحث موضوع الجنوب دون تدخل من القوى والشخصيات الشمالية، لكي ننجز تسوية سياسية من مرحلتين.
- الحقيقة 14: انفصال منظم وآمن يحفظ حقوق المواطنين ومصالحهم وترابطهم العائلي خير من وحدة فيها حروب ومؤامرات تفسد الشمال وتفسد الجنوب كذلك، وتبث الفرقة والكراهية بين المواطنين. فخيراً للشمالي أن يذهب للجنوب بجواز دولة الشمال كسائح أو كمستثمر يحظى باحترام وتقدير من السلطة هناك على أن يتم ملاحقته وابعاده بطريقة مُهينة، أو يبقى مع شعور بالخوف والتوجس في دولة واحدة لم تعد موجودة.
- الحقيقة 15: من تحاوروا في الكويت طرفان، أحدهم مراسل والآخر لا وجود له على الأرض، فطرف الحوثيين والمؤتمر كان يقوده ممثلي الحوثيين، ولا دور لممثلي حزب المؤتمر، الذين تحولوا الى مستشارين فقط، وفي نفسك الوقت فإن ممثلي الحوثيين أنفسهم كانوا عبارة عن مراسلين لعبدالملك الحوثي ولا يملكون القرار، والطرف الآخر (الشرعية وحلفائها) كان يقودهم ممثل للقوة الطفيلية التي يتزعمها هادي، ولا دور حقيقي لممثلي الأحزاب (الإصلاح/ الاشتراكي/ الناصري/ العدالة والبناء/ الرشاد)، ولهذا فشل الحوار لأنه كان بين مراسلين للحوثي وبين القوة الطفيلية التي يقودها هادي، فيما المؤتمر الشعبي العام وأحزاب اللقاء المشترك والأحزاب الأخرى والقوى الجنوبية التي تسيطر على الأرض كانوا خارج الحوار بشكل أو بآخر، إما بعدم وجود دور حقيقي لهم، أو بعدم وجودهم من الأصل في جلسات المفاوضات.
- الحقيقة 16: أن المشاكل والصراعات التي ظهرت بعد الوحدة، بسبب سوء إدارة دولة الوحدة، أدت الى بروز المشاريع القديمة المندثرة التي كانت الخطر الأهم على شمال اليمن وجنوبه، مشروع الامامة في الشمال ومشاريع ما قبل 67م في الجنوب، واستمرار الوحدة بشكلها الهش والكاذب يساعد تلك المشاريع على النمو والترسخ كواقع، ولا يمكن مواجهة تلك المشاريع الا بعد فصل ملف الشمال عن الجنوب، لتكون القوى الشمالية أمام خيارين لا ثالث لهما، إما مواجهة مشروع الامامة أو السقوط الى ما لا نهاية، وهكذا الأمر في الجنوب، سيتمكن من مواجهة المشاريع الخطرة على وحدته، الجهوية وغير الجهوية. واستمرار الوحدة بصيغتها الحالية يجعل مختلف الأطراف -في الشمال والجنوب- عاجزة عن رؤية المخاطر الحقيقة، وتتغاضى أو تتعامى عن تلك المخاطر تحت وهم مساعي ترميم اليمن الموحد، فيما الواقع أننا في الطريق لنخسر الجنوب الموحد والشمال الموحد، وندخل في عهد الفشل الكامل والدويلات والمناطق المتناحرة والمقسمة بين المجموعات المسلحة والإرهابية والطائفية.
- الحقيقة 17: أن الجبهات العسكرية -بما فيها التحالفات القبلية- التي في الشمال لا يمكن أن تحقق نجاحات مهمة ونوعية في مواجهة الحوثيين -في حال استمرت الحرب- الا إذا غُلت يد هادي عن التدخل فيها، وفُصلت ميزانية دعمها عن شرعية هادي، وتم التعامل مباشرة مع تلك الجهات وفُوضِت بالحوار مع القوى التي يتحالف معها الحوثيين بما في ذلك صالح وحزب المؤتمر، وأنشئت قيادة مستقلة لها ترتبط بالتحالف مباشرة دون أي علاقة لسلطة هادي بها، وتكون لها سلطة إدارة المناطق الشمالية التي تتحرر من سلطة الحوثيين، فالحقيقة أن لا أحد يثق في هادي، وبالتالي يخشى الكثير من المغامرة والقتال تحت شرعيته أو توجيهاته.
- الحقيقة 18: أن هناك مقومات في الشمال ليكون دولة مستقلة وفيه من الثروات ما يُغنيه لو تم ادارتها بشكل صحيح، وأهم ثروة يمتلكها الشال هي الثروة البشرية، إضافة الى ثروات أخرى كثيرة وهائلة تغنيه عن الحاجة للجنوب وثرواته الطبيعية ومساحته الجغرافية، والأمر نفسه ينطبق على الجنوب، وحتى على حضرموت لوحدها.
- الحقيقة 19: أن الشماليين لم يستفيدوا من الوحدة، بل خسروا الكثير بسبب الصراع والحروب على السلطة منذ عام 90م وحتى اليوم، وباتوا يتوقون للجمهورية العربية اليمنية على حدود عام 90م، ومن استفاد من الوحدة هم نخبة انتهازية شمالية وجنوبية في نفس الوقت، والفارق في حصة النخبتين يساوي الفارق في الكتل السكانية التي كان يدعي كل طرف أنه يمثلها.. أما الشعب فكان ضحية، في الجنوب وفي الشمال كذلك.
- الحقيقة 20: أن هناك مخاطر واضحة على وحدة الشمال ووحدة الجنوب، وبدلاً من السعي لاستمرار وحدة لكامل اليمن غير موجودة على الأرض، وهناك عراقيل جمة أمامها، لماذا لا نسعى لعمل انفصال على الأقل يحفظ وحدة الشمال ويحفظ وحدة الجنوب، قبل أن نرى الشمال مقسم لدويلات متناحرة، والجنوب كذلك.
- الحقيقة 21: أن التعامل والتفاوض مع الواقع الانفصالي المكرس على الأرض -ولو المؤقت- في مصلحة الجميع، شمال وجنوب، وسيكون المدخل لـ #صناعة_السلام_في_اليمن، على مرحلتين، سلام داخل الشمال، وسلام داخل الجنوب، ومن ثم نبحث عن سلام بين السلامين، سواء كان سلام يضم يمن موحد، أو سلام بين شطرين منفصلين بشكل منظم، فاستمرار التعامل والتفاوض مع القوة الطفيلية لن ينجز تسوية سياسية، وان أنجزت التسوية لن تتمكن القوة الطفيلية من تنفيذها على أي شبر من مساحة الجنوب، عدى مساحة قصر معاشيق، وهذا يعني أننا وولد الشيخ والمجتمع الدولي والسفراء نحرث في الهواء.
( نظراً لطول الموضوع اضطررت لتقسيمه الى جزئين حتى تقبل صفحة الفيس بوك تنزيله)
يتبع في المنشور التالي باقي المشروع:
- مشروع المبادرة
- الملاحظات الختامية
واليكم رابط المبادرة منشورة بشكل كامل على مدونتي الخاصة:
http://albkyty.blogspot.com/2017/03/18-2017.html
تعليقات:
الإخوة / متصفحي موقع الفجر الجديد نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
اكثر خبر قراءة ملفات وتقارير
مؤسسسة الميثاق.. ولوبي الفساد (تقرير )
مواضيع مرتبطة
منظمات عالمية تصدر موجزا اعلاميا مشتركا عن الوضع الإنساني باليمن
من الرمضاء للنار..صوماليون فروا من حرب اليمن فوقعوا في هجوم بحري ليلا
فعالية حسم أزمة قرارات هادي في عدن "تقرير"
ولد الشيخ يغادر صنعاء صفر اليدين "تقرير"
هل سينجح " اختراع عبدالعاطي " في تحويل " فيروسي " تيران " و " صنافير " الى " صباع كفتة " تتغذا عليه مصر ؟!!
المستأجرون مهددون بالطرد من منازلهم في صنعاء
أعلام من اليمن ::
محمد الجرافي .. العالم الزاهد الذي بلغ درجة الاجتهاد في سن مبكرة
تقرير رسمي يكشف عن عملية منظمة للمتاجرة بالشهادات الوهمية داخل اليمن وفي 42 دولة عربية واجنبية
مصادر تكشف لـ "الفجر الجديد" كيف تمكن حميد الأحمر من الحفاظ على شركاته وتحويل امولها الى الخارج
الأبواب الخلفية لـ حميد الأحمر