تعز......عندما تسكن الرصاصة في القلب
نجود القاضي
نجود القاضي

لتوِّي شعرتُ وكأن رصاصةً طائشةً اخترقتني .

لم أصرخ !

ومتى كان بوسع الموتى أن يصرخوا ؟!

يا لمفارقات القدر وكم كان سخياً معي فقد استطعتُ وأنا في غمرة موتي أن أتحسسَ قلبي وأن أنصتَ لنبضِه.

كنتُ أتلمَّسُ كلَّ شيءٍ فيه كما لأطمئنَّ على سلامته بعد موتي , وكما لوفائهِ قرر أن يتوقفَ بعدي .

ثمة شيءٌ صلبٌ تصطدمُ بهِ أناملي في رحلة استكشافي لخلايا قلبي , شيءٌ قاسٍ يقيم مستعمرةً في شغافي أو بالأصح مجزرة , يتحركُ بعشوائيةٍ في جغرافية قلبي - بلايموث الثانية - ومملكته المغصوبة , لكنه لا يغادر , مع كل حركةٍ لهُ كان يموتُ شيءٌ فيّ .

كنتُ أصغي لهدير الدماءِ تتدفقُ تاركةً لهُ مساحةَ حريةٍ أكبرَ لكنني في كلِّ مرة كنتُ أراهنُ على أن هذهِ الأنهرَ ستجرفُهُ حتماً وأنهُ سيغادرُ ذات نزف.

نعم كان يتحرك لكنني تعلمتُ منه أنْ ليس كل متحركٍ حر !

وجعي يمتدُ خارج حدود مقبرتي لكن صوتي غدر بي وغادرني , وحدهُ الصمتُ بوجع يقيم معك علاقة صداقة بعد أن يتخلى عنك الآخرون أما الصوت فإنه يفضِّلُ الرحيلَ إلى عالم النسيان أو الانتحار مبحوحاً على حبال الاستجداء عندما يناشدُ من ليس لديهِ قلبٌ يخسرُه, ومن لم يجرب مذاقَ رصاصةٍ في القلب .

حتى الموتى لم أستطع الاستنجاد بهم رغم أنهم يشعرون بي أكثر من الأحياء ويحزنهم حالي لكنهم كانوا مثلي تماماً قد فقدوا أصواتهم ولم يعد بوسعهم حتى مواساتي ,,, لم أشأ الإساءة إليهم وأنا أراهم يتلألأون في قبورهم كالأحجار الكريمة , كنت أحاولُ أن أتماسكَ كلما نظروا صوبي, كنتُ أحاول أن أبدو وكأنني لا أعاني , وكأنني لا أطالب بإنقاذ ما تبقى من مضغة الحُبِّ - قلبي - , كنتُ أتحاشى أن أُشعرهم بعجزهم ففي ذلك إساءةٌ كبرى لهم ولقداستهم وإهانةٌ أكبرُ قد تؤذيهم في موتهم !

وحدهم الأحياءُ لا يخجلون ولا يعنيهم عجزهم حيالك وأنت في أمسِّ الحاجة إليهم , وحدهم الأحياءُ يمتلكون قدراً سخيفاً من الاستخفاف برصاصةٍ تتربصُ بأحشائك , وحدهم القادرون على إلجامِ أصواتهم وإحكامِ ربطها إلى جذور خيباتهم وانكساراتهم التي لا يحفلون بها والتي لفرط ما اعتادوها استمرؤوها منذ زمن .

مثل هؤلاء في أحسن الأحوال كل ما بوسعه تجاهك هو أن يحدد خارطة الألم في جسدك ويضرب حولها سُوْراً لا ليحمي بقية جسدك أو يحاصر وجعك ولكن ليمنع دخول غير المفخخين أو القابلين للانفجار , بمعنى أنهم (يزيدون الطين بلَّه ) , هؤلاء كان حقاً على الله أن يخزيهم .

تعز وأنا سوف نقفز خارج ذلك السور المهترئ وسوف نُبْطِلُ مفعولَ ذلك المدِّ المتفجِّر والقادم من غبار الوهم المتشظي .

حفاظاً على مضغة الحُبِّ - تعز - في الجسد الأم سوف أنزع تلك الرصاصة وسوف يتكفلُ اللهُ وحدهُ بالشفاء.

دمتم بصمت أيها الصامتون!.

 
في السبت 31 أكتوبر-تشرين الأول 2015 03:30:21 م

تجد هذا المقال في الفجر الجديد
http://alfjeralgaaded.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://alfjeralgaaded.com/articles.php?id=254